
- بقلم: شاكر خشبي
في الوقت الذي يفترض أن تتوحد فيه القلوب على إيقاع كرة القدم، يطل شبح السياسة من جديد ليعيد تشكيل المشهد. فقبل أقل من ثلاثة أشهر على انطلاق كأس العالم 2026، لا يبدو الطريق معبدا بالكامل، إذ تخيم تداعيات التوتر مع إيران كغيمة ثقيلة فوق استعدادات الولايات المتحدة، في نسخة استثنائية من المونديال، تمتد عبر ثلاث دول وتضم 104 مباريات، كل واحدة منها بحجم نهائي “سوبر بول”.
هذا الحدث، الذي ينتظر أن يجذب مئات الآلاف من الجماهير إلى الملاعب، وملايين أخرى إلى مناطق المشجعين المفتوحة، لم يعد مجرد مناسبة رياضية، بل تحول إلى اختبار أمني معقد. فالتقارير الاستخباراتية تحذر من تهديدات محتملة تشمل هجمات على البنية التحتية، خاصة وسائل النقل، أو عمليات فردية بدوافع متطرفة، في سياق دولي متوتر تغذيه احتمالات التصعيد مع إيران وما قد يرافقه من ردود فعل انتقامية.
ولم يعد الأمن مجرد ترتيبات محيطة بالملاعب، بل صار منظومة متكاملة تمتد من السماء إلى الأرض: من أنظمة مراقبة الطائرات المسيرة، إلى برامج تحليل البيانات، مرورا بتأمين الفضاءات المفتوحة التي قد تستقطب آلاف المشجعين في كل مدينة. هنا، لا تقاس الجاهزية بعدد العناصر فقط، بل بسرعة الاستجابة ودقة التنسيق، في مشهد يشبه السير على حبل مشدود بين الاحتفال والحذر.
غير أن هذا التحدي يتعقد أكثر بسبب عامل الزمن. فقد تأخر صرف نحو 625 مليون دولار من التمويلات الفدرالية المخصصة للأمن، والتي كان يفترض توزيعها قبل نهاية يناير، قبل أن يتم الإفراج عنها مؤخرا. لكن توزيع هذه الموارد على المتعاقدين، واقتناء المعدات، وتوظيف الأطر البشرية، كلها عمليات قد تستغرق أشهرا، ما يضع المدن المستضيفة أمام سباق حقيقي مع الزمن لتدارك التأخير.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير معطيات أخرى إلى أن أكثر من 1,2 مليار دولار من برامج دعم الأمن ومكافحة الإرهاب ما تزال محل جدل وتأخير، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد. فبين متطلبات البيروقراطية وضغط الاستعداد، تبدو الجهات المنظمة وكأنها تبني منظومة أمنية كاملة في وقت قياسي، وفي ظرف دولي غير مستقر.
في المقابل، تلقي سياسات الهجرة بظلالها على هذا الحدث العالمي، حيث تثير الإجراءات المشددة مخاوف بشأن تنقل الجماهير، خاصة مع تسجيل حالات توقيف في المطارات، وتراجع نسبي في أعداد الزوار الدوليين. ومع وجود منتخبات من دول معنية مباشرة أو غير مباشرة بالتوترات السياسية، يصبح المونديال ساحة تتقاطع فيها الرياضة مع الحسابات الجيوسياسية.
ورغم كل هذه التحديات، لا يزال الإصرار قائما على إنجاح البطولة. فلا حديث رسميا عن إلغاء أي مباراة، بل عن تعبئة شاملة لضمان مرور الحدث في أفضل الظروف. ومع انطلاق أولى المباريات في 11 يونيو بالمكسيك، تليها الولايات المتحدة وكندا، يدخل المنظمون المرحلة الحاسمة، حيث لا مجال للأخطاء ولا متسع لمزيد من التأخير.
في النهاية، يبدو أن مونديال 2026 سيكتب بحبرين: حبر الشغف الكروي الذي يوحد الشعوب، وحبر القلق الذي تفرضه تعقيدات السياسة والأمن. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقا: هل تنجح كرة القدم في الحفاظ على سحرها كمساحة للفرح المشترك، أم أن ظلال التوتر، وعلى رأسها الحرب مع إيران، ستعيد رسم ملامح هذا العرس العالمي؟
* شاكر خشبي – رئيس تحرير بقناة بي إن سبورتس











































