من رحم شوط أول كارثي..ولد انتصار للتاريخ..

21 مارس 202630 مشاهدة
من رحم شوط أول كارثي..ولد انتصار للتاريخ..
من رحم شوط أول كارثي..ولد انتصار للتاريخ..
  • بقلم: بديع بن جمعة

الترجي لم يفز فقط على الأهلي في ستاد القاهرة بنتيجة 3-2.. بل انتصر على سيناريو كامل كان يكتب ضده مع نهاية الشوط الأول.. الأهلي دخل بقوة، سجّل مبكرا وفرض سيطرة واضحة قبل الاستراحة، بينما كان البشير بن سعيد مصدر بقاء الترجي حيّا، بعدما تصدى لأكثر من وضعية أبقت التأهل معلقا بخيط رفيع..
لكن ما فعله الترجي في الشوط الثاني هو بالضبط ما تصنع به الفرق الكبيرة تاريخها.. لم يعد الفريق فقط إلى المباراة.. بل عاد إليها بشخصية مختلفة تماما.. عاد أكثر شراسة.. أكثر جرأة.. وأكثر إيمانا بأن القاهرة لن تكون مقبرة لأحلامنا… بل مسرحا لواحدة من أجمل قصص “الريمونتادا”..
هذا الانتصار لا يقرأ فقط بمنطق النتيجة بل بمنطق التحول.. لأن الترجي قدّم شوطين بشخصيتين متناقضتين.. في الأول كان فريقا متباعد الخطوط.. هشّا في الارتداد.. خاسرا لمعركة الوسط ومكشوفا أمام نسق فرضه الأهلي.. وفي الثاني أصبح فريقا يعرف ماذا يريد.. أصبح أكثر تماسكا.. أكثر حضورا ذهنيا.. وأكثر قدرة على استثمار ارتباك المنافس حين بدأت المباراة تنفلت من يديه..
هنا بالذات تظهر قيمة العمل الفني الحقيقي.. ليس في أن تضع خطة مثالية منذ البداية.. بل في أن تملك الشجاعة لتصحح وتقرأ.. وتعيد تشكيل المباراة وهي تشتعل..
يحسب لباتريس بوميل أنه لم يترك فريقه أسير صورة الشوط الأول.. عدّل أوتار الترجي في الوقت المناسب.. وأعاد للفريق توازنه النفسي قبل التكتيكي.. وهذه نقطة جوهرية في مباريات من هذا الوزن.. حين تكون مهددا بالسقوط في القاهرة، لا يكفي أن تتحسن فنيا.. يجب أولا أن تستعيد إيمانك بنفسك.. والترجي فعل ذلك بأفضل طريقة ممكنة.. لم ينج فقط بل ردّ الضربة.. ثم فرض منطقه ليخرج بانتصار سيبقى طويلا في ذاكرة الكارهين قبل المحبين..
الأهلي أنهى الشوط الأول وهو يعتقد أن المباراة تسير نحو السيناريو الذي يريده.. لكن الترجي في الشوط الثاني لقّنه درسا قاسيا في معنى الشخصية القارية.. لأن الأندية الكبيرة لا تقاس فقط بما تفعله حين تكون مرتاحة.. بل بما تفعله حين تكون تحت الضغط وهي على حافة الانكسار.. وفي ملعب خصم يعرف كيف يسقط منافسيه..
الترجي الليلة لم يكن فقط فريقا فائزا.. كان فريقا يذكّر الجميع بأنه مهما تعثّر ومهما اهتزّ.. سيبقى اسما كبيرا يعرف من أين تؤكل المباريات الكبرى..
فوز في القاهرة.. على الأهلي.. بعد شوط أول كاد يكون عنوانا للخروج.. هذا ليس مجرد تأهل..
هذا انتصار يكتب بالحبر الأحمر والأصفر.. وبقلب ترجي لا يموت..

لكن… وإن كان هذا وقت الاحتفال، فهو أيضا وقت للوعي.. لأن ما حدث في الشوط الأول لا يمكن أن يمرّ دون مراجعة.. ولأن هذا الفريق، حتى في ليلة انتصار تاريخي.. كشف أنه مازال يحمل نقاط ضعف حقيقية.. في التوازن.. في الدخول في المباريات.. وفي إدارة بعض اللحظات..
في مثل هذه المسابقات، لا يكفي أن تعود.. يجب ألا تسقط أصلا..
الترجي اليوم أسعد جماهيره.. لكنه في نفس الوقت وجّه لنفسه رسالة واضحة.. الطريق مازال طويلا…
والهدف.. ليس مباراة كبيرة في القاهرة..
بل الكأس… لا شيء غيرها

* بديع بن جمعة – مقدم برامج تونسي

الاخبار العاجلة