قرارات “الكاف” لنهائي “الكان” بين القانون والعاطفة الإعلامية

18 مارس 2026158 مشاهدة
قرارات “الكاف” لنهائي “الكان” بين القانون والعاطفة الإعلامية
قرارات “الكاف” لنهائي “الكان” بين القانون والعاطفة الإعلامية
  • بقلم : شاكر خشبي

أثارت قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف” بخصوص نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة جدلًا واسعًا، ليس فقط على المستوى القانوني، بل أيضًا في الساحة الإعلامية التي انقسمت قراءاتها بين التحليل الموضوعي والانطباعات العاطفية. وبين هذا وذاك، يبرز سؤال جوهري: هل تمت قراءة القرار وفق نصوص القانون، أم بعين الانحياز؟

من خلال متابعة عدد كبير من المقالات والتعليقات الصحفية، يتضح أن جزءًا مهمًا من التحليلات افتقد إلى الاستناد على النصوص القانونية المنظمة للمسابقة، وعلى رأسها لوائح الكاف الخاصة بكأس أمم إفريقيا. فقد غلبت العاطفة على كثير من الآراء، حيث تم تقديم مواقف حادة دون تدعيمها بمواد قانونية واضحة، وكأن المسألة مجرد رأي أو انطباع، لا قضية تخضع لنصوص دقيقة تفسر الوقائع وتحدد المسؤوليات.

كما أن طريقة تقديم الخبر في حد ذاتها لم تكن دائمًا محايدة؛ إذ لجأت بعض المنابر إلى استعمال عبارات مشحونة قبل عرض الوقائع، من قبيل “فضيحة” أو “لعبة الكواليس”، وهي تعابير تحمل حكمًا مسبقًا وتُوجّه القارئ نحو استنتاج معين قبل الاطلاع على التفاصيل. وهنا يطرح تساؤل مشروع: حين يتم وصف ما حدث بـ“الفضيحة”، هل المقصود هو الوقائع التي جرت خلال النهائي وما رافقها من أحداث، أم أن تطبيق نص قانوني قائم بحد ذاته أصبح يُقدَّم كفضيحة؟ إن الخلط بين توصيف الحدث وتوصيف تطبيق القانون يعكس خللًا في القراءة، ويؤدي إلى تضليل المتلقي بدل تنويره.

الأكثر إثارة للانتباه هو لجوء بعض الصحفيين إلى مقارنة الوضع بقرارات سابقة لمحكمة التحكيم الرياضي (TAS)، خاصة ما يتعلق بنهائي دوري أبطال إفريقيا سنة 2019. حيث تم بناء توقعات على أساس أن المحكمة قد تُخالف قرارات لجان الكاف كما حدث سابقًا. غير أن هذا الطرح يغفل نقطة أساسية: أن محكمة التحكيم الرياضي، رغم إلغائها قرار إعادة المباراة آنذاك، اعتبرت في حيثياتها أن نادي الوداد الرياضي كان في وضعية “المنسحب” نتيجة رفضه استئناف اللعب.

وهنا يكمن جوهر المفارقة؛ فإذا تم إسقاط نفس المنطق القانوني على الحالة الحالية، فإن وضعية المنتخب السنغالي – كما تم توصيفها – قد تندرج ضمن نفس الإطار، أي الانسحاب أو ما يعادله قانونيًا. ومع ذلك، تجاهلت أغلب التحليلات هذه الزاوية، وركزت فقط على احتمال “إلغاء القرار” دون التعمق في حيثيات السوابق القضائية.

وفي سياق هذا الجدل، برز طرح آخر لدى بعض المتابعين مفاده أن تقرير الحكم لم يُشر صراحة إلى واقعة “الانسحاب”، وهو ما اعتُبر عنصرًا يُضعف التكييف القانوني للحالة. غير أن هذا الطرح يفتح بدوره إشكالًا أعمق: هل يُعتدّ بحرفية تقرير الحكم فقط، أم تُطبَّق نصوص لائحة المنافسة حتى في حال عدم توصيفها بدقة؟ فوفقًا لمقتضيات المادة 82 من نظام كأس أمم إفريقيا، فإن بعض الحالات تُعتبر انسحابًا بحكم القانون حتى دون إعلان صريح من الحكم. وبالتالي، نكون أمام احتمالين: إما تغليب النص القانوني وتكييف الواقعة وفقه، أو اعتبار أن تقرير الحكم قد شابه نقص أو خطأ في التوصيف لعدم تفعيله للمادة المذكورة. وفي كلتا الحالتين، يبقى الاحتكام إلى النصوص التنظيمية هو الفيصل، لا مجرد الصياغة الواردة في تقرير المباراة.

ولا يمكن إغفال جانب آخر في هذا النقاش، وهو أن بعض المحللين انساقوا بدورهم وراء العاطفة، ونسوا – أو تناسوا – أن اشتغالهم ضمن منبر إعلامي يفرض عليهم التحلي بالموضوعية والالتزام بحدود دورهم المهني. فحين يتعلق الأمر بقرارات مبنية على قانون تنظيمي لمسابقة قارية، فإن دور المحلل لا يتجاوز تفسير الوقائع في ضوء ما يتوفر لديه من معرفة بالنصوص القانونية والسوابق المشابهة، لا الانخراط في مواقف انفعالية. إذ إن الانجرار وراء العاطفة قد يدفع إلى الانحياز لطرف على حساب آخر، وهو ما يتعارض مع جوهر العمل الإعلامي القائم على التوازن والدقة.

من جهة أخرى، لم يحظَ عنصر مهم بالنقاش الكافي، وهو أن الكاف لم يصرح بشكل صريح بسحب اللقب من السنغال ومنحه للمغرب. ورغم ذلك، سارعت العديد من المنابر الإعلامية إلى تبني هذا الطرح كحقيقة مؤكدة، بل واعتمدته كعنوان رئيسي، ما يعكس مرة أخرى نزعة نحو الاستنتاج السريع بدل القراءة الدقيقة للقرار. فالقانون الرياضي يميز بين تسجيل نتيجة مباراة (مثلاً 3-0 اعتباريًا) وبين منح اللقب رسميًا، وهو فرق جوهري كان يستحق التوقف عنده.

في ختام هذا الجدل، يبدو أن جزءًا كبيرًا من التغطية الإعلامية لم يكن محايدًا بالقدر الكافي، بل تأثر إما بالتعاطف مع منتخب السنغال أو بمواقف مسبقة تجاه المغرب. وهذا لا يعيب الانتماء أو المشاعر، لكنه يطرح إشكالية حين تتحول العاطفة إلى أداة تحليل، بدل أن يبقى القانون هو المرجع الأساسي.

إن القضايا الرياضية، خاصة على هذا المستوى، لا تُحسم بالعناوين ولا بالانطباعات، بل بقراءة دقيقة للنصوص، وفهم عميق للسوابق القضائية. وبين العاطفة والقانون، تبقى الحقيقة رهينة لمن يقرأ بعين موضوعية.

* شاكر خشبي – رئيس تحرير بقناة بي إن سبورتس

الاخبار العاجلة