- نيوجيرسي- بواسطة: محمد السباعي
في كرة القدم، لا تُقاس قيمة المباريات التحضيرية بالنتائج النهائية فحسب، بل بما تتركه من بصمات على خريطة استعدادات الفريق. التعادل الإيجابي 1-1 الذي جمع “أسود الأطلس” بنظيرهم النرويجي لم يكن مجرد محطة عابرة في الرزنامة، بل كان مرآة عاكسة لمسار تحضيرات الناخب الوطني محمد وهبي مع اقتراب دق طبول كأس العالم. بعيداً عن حسابات النقاط، قدمت التسعون دقيقة خلاصات ثمينة تلامس صلب المشروع الوطني، وتكشف في آن واحد عن كنوز يجب استثمارها فوراً، وثغرات تستدعي الترميم العاجل قبل مواجهة البرازيل المرتقبة السبت المقبل.
من المنظور المغربي، كانت الرسالة الأبرز التي بعث بها الفريق هي تبلور “الشخصية الجماعية”. لم يعد المنتخب يعتمد على المجهود الفردي فحسب، بل بات يمتلك هوية تكتيكية واضحة تتجلى في سرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم. الهدف الذي سجله إبراهيم دياز في الدقيقة التاسعة لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاجاً لهجمة مرتدة منظمة تعكس جودة المنظومة الهجومية التي يرسمها وهبي. التناغم المتزايد بين نائل العيناوي وعبد الصمد الزلزولي في اختراق الخطوط، مدعوماً بالحضور الطاغي لأشرف حكيمي على الرواق الأيمن وحراسة ياسين بونو الموثوقة، أعطى انطباعاً بأن الفريق يملك مفاتيح فك شفرات أي دفاع. هذه المؤشرات تمنح وهبي رفاهية اختيارية واسعة وتنذر المنافسين بأن “الأسود” يملكون حلولاً هجومية متعددة الأوجه.
لكن كرة القدم لا ترحم التراخي، وهو ما كشفه الشوط الثاني بوضوح. هنا تبرز الخلاصة الأهم للمدرب محمد وهبي: “فخ الرتم البدني والذهني”. مع بداية الشوط الثاني، ورغم النوايا الحسنة في إجراء التغييرات لمنح عناصر جديدة الفرصة، تراجع الإيقاع المغربي تدريجياً. الأجواء الحارة لعبت دوراً مؤثراً، لكن القوة البدنية التي فرضها المنتخب النرويجي كانت العامل الحاسم في المعادلة. إهدار سفيان رحيمي لفرصة محققة كان القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث منحت النرويجيين الثقة للعودة. هدف التعادل الذي أنهى مارتن أوديغارد هجمة منظمة بعد مجهود فردي مميز لأوسكار بوب، لم يكن مجرد خطأ دفاعي عابر، بل كان مؤشراً خطيراً على فقدان التركيز في اللحظات الحرجة، وهو درس قاسٍ لكن ضروري قبل خوض غمار المونديال.
من منظور محمد وهبي، كانت هذه المباراة “اختبار ضغط” مثالي. هو يدرك الآن أن التشكيلة الأساسية تمتلك الانسجام المطلوب، لكن عمق البدائل يحتاج إلى مزيد من التناغم للحفاظ على نسق الفريق عند إجراء التغييرات، لتجنب التراجع الذي حدث. وهبي ليس من المدربين الذين يكتفون بالمظاهر الإيجابية؛ فهو يدرك جيداً أن الهفوات القابلة للتصحيح اليوم، قد تتحول إلى كوابيس حقيقية أمام منتخبات من عيار البرازيل. التحدي الحقيقي أمام الجهاز التقني في الأيام القليلة المتبقية ليس في تغيير الخطة الأساسية، بل في رفع اللياقة البدنية الخاصة، وتعزيز الصلابة الذهنية لضمان السيطرة على مجريات اللعب طوال التسعين دقيقة، وليس في فترات متقطعة.
في المحصلة، خرج “أسود الأطلس” من هذا الاختبار النرويجي برأس مرفوع وصورة أوضح عن جاهزيتهم. التعادل مع النرويج ليس انتقاصاً من القيمة، بل هو جرس إنذار دق في الوقت المناسب تماماً. الثقة موجودة، والحلول الهجومية متاحة، والقيادة الفنية لمحمد وهبي تبدو واعية تماماً بمكامن القوة والضعف. الآن، تبقى أيام معدودة قبل أن ينطلق العرس المونديالي بمواجهة السامبا البرازيلية السبت المقبل. إنها اللحظة التي تتحول فيها الدروس المستفادة إلى أفعال ملموسة على أرض الملعب، وعندها سنرى إن كان وهبي ورفاقه قد أتقنوا فعلاً قراءة الدرس النرويجي واستوعبوه جيداً.
















































